أبو علي سينا

مقدمة الفن السادس 11

الشفاء ( الطبيعيات )

وجودها وخلودها ، ويبين صلتها بالجسم ، وينكر التناسخ ، ويفصل القول في « مشكلة العقل » وهي من أهم المشاكل في الفكر الفلسفي الإسلامي . وكل تلك مسائل عرضنا لها في تفصيل من قديم ، وليس ثمة ما يدعو إلى أن نعود إليها هنا « 1 » . ويلاحظ أن علم النفس السينوى على غرار السيكلوجيا القديمة كلها ، أهمل الجانب الوجداني والجانب الإرادى من أحوال النفس ، وهذا ما حاول متصرفو الإسلام تدارك قسط منه غير قليل ، ولكنه في الحقيقة من صنع التاريخ الحديث والمعاصر . ويعنينا أن نشير أخيرا إلى أن علم النفس السينوى ، على ما فيه ، كان ذا شأن في تاريخ الفكر الإسلامي والمسيحي . فكان مرجع مفكري الإسلام من فلاسفة ومتصوفة وأخلاقيين ، منذ القرن الخامس الهجري إلى أوائل القرن الرابع عشر ، عولوا عليه ، وأخذوا عنه ، واحتجوا به ، ولم ينصرفوا عنه إلا يوم أن وقفوا على البحث السيكلوجى المعاصر . ولم يكن حظه عند المسيحيين بأقل من هذا ، فقد ترجم « كتاب النفس » لابن سينا إلى اللاتينية في الربع الثالث من القرن الثاني عشر الميلادي ، ولم يكن قد مضى على وفاة صاحبه إلا نحو قرن أو يزيد قليلا . وما إن ترجم حتى تلقفته الأيدي في العواصم الأوربية . وحاول اللاتين تلخيصه أو شرحه والتعليق عليه ، وأثار حركة فكرية بلغت أوجها في القرن الثالث عشر . وسبق لنا أن لا حظنا أن ليس ثمة مؤلف من مؤلفات ابن سينا صادف في الفلسفة المدرسية ما صادفه « كتاب النفس » من دراسة وانتشار ، لأنه عالج أمورا كانت هذه الفلسفة في أمس الحاجة إليها ، كحقيقة النفس وخلودها ، وتوضيح جانبي المعرفة الحسى والإشراقى « 2 » . ولم يقف الأمر عند هذا ، بل امتد إلى القرن السابع عشر ، فقد كشف أستاذنا فاندنبرج عن نص في خواطر بسكال ) Les Pensees de Pascal ( يستمد من ابن سينا « 3 » . ومهما يكن من شئ فان علم النفس السينوى ربما هان أمره إذا نظر إليه في ضوء علم النفس المعاصر ، أما باسم التاريخ والماضي فهو ذو شأن عظيم ، وجدير بالنشر والإحياء .

--> ( 1 ) إبراهيم مدكور : في الفلسفة الاسلامية ، ص 130 - 170 ؛ وانظر أيضا : La place d , Al - Farabi dans Iecole philosophique musulmane . Paris I 934 , pp . I 22 - I 80 ( 2 ) إبراهيم مدكور : الشفاء ، ج 1 المدخل ، القاهرة ، 1952 ، المقدمة ، ص ( 34 ) . ( 3 ) الكتاب الذهبي المهرجان الألفي لابن سينا ، القاهرة ، ص 344 .